بلقيس والهدهد وسليمان
بلقيس هي ملكة سبأ بإقليم اليمن، وكانت هي وقومها يعبدون الشمس من دون الله، وعلم سليمان عليه السلام من الهدهد المؤمن الموحد بقصتها، وكتب إليها كتابًا يدعوها للتوحيد والإسلام وأمر الهدهد بقوله: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)[النمل:28]، وحمل الهدهد الكتاب وألقاه في مخدع الملكة فقرأته.. وهنا تبرز صفات الرجاحة والحكمة والحنكة لدى تلك المرأة العاقلة الملكة الكافرة وقتئذ، وكيف هداها عقلها الراجح للإيمان، وأن تدع عبادة الشمس لتعبد رب الشمس، وتستغفره وتهدي شعبها كذلك للتوحيد. ويثبت لنا من قصتها بعد التأمل بعض الحقائق كما يلي:
1- **حسن التقدير والاحترام والفهم ***لفحوى الرسالة التي ألقاها الهدهد حيث قالت: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)[النمل:29-31].
2- **الشورى ***لذوي الاختصاص والأمر، ورفض مبدأ الديكتاتورية في الحكم، حيث عرضت قضية كتاب سليمان التي يترتب عليها تغيير في العقيدة والعبادة وسيادة المملكة، قالت: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ)[النمل:32]، فأجابوا عليها بحسن ظنهم وتقديرهم لفكرها واعتزازهم بمملكتهم وثقتهم في قوتهم المادية: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)[النمل:33].
3- العلم بتاريخ الأمم والملوك والغزاة: حيث قالت: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)[النمل:34].
4- تقيم الموقف السياسي والعسكري: بأن ترسل هدية إلى سليمان، فإن كان ملكًا من ملوك الدنيا فرح بها وقبلها ويخفف التوتر بين المملكتين، وإن كان نبيًا مرسلاً رفض ولم يرضَ إلاَّ بتغيير العقيدة وإعلان الإسلام.. كذلك سيتعرف الرسل الذين سيحملون الهدايا عن كثب عن أخبار سليمان وملكه وجنوده، ووافق الشعب على رأي ملكته وأعد الهدايا، وأسرف فيها لتليق ولتحظى بالقبول عند سليمان.
ولما ذهب الرسل إلى سليمان رفض هديتهم وأدهشهم ملكه وجنوده من الإنس والطير والحيوانات، وأعلن رفضه بقوله: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)[النمل:36، 37]، حينذاك قررت الملكة أن تذهب مع كبار قومها إلى سليمان لتصل إلى حل سلمي ودِّي يستقر عليه التفاوض فيما بينهما سواء في العقيدة أو الملك.
5- الذكاء والفطنة: كانت الرحلة بين سبأ واليمن إلى القدس حيث يقيم سليمان، تستغرق ثلاثة اشهر، وأراد سليمان أن يختبر ذكاء بلقيس بأن يظهر لها فضل الله عليه وملكه الذي لا ينبغي لأحد أن يملك مثله، بأن يحضر لها كرسي عرشها من مملكتها إلى مملكته ويجلسها فوقه، فقال لجنوده: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)[النمل:38]، فأجاب عفريت من الجن: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)[النمل:39]، أي سيحضره في غضون ساعات، فقال الذي عنده علم من الكتاب لسليمان: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)[النمل:40]، أي في غضون ثواني قليلة ، فلما رأى سليمان العرش مستقرًا عنده لم يفرح بقدرته أو قدرة أعوانه وجنوده، ولكنه قال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ)[النمل:40، 41،42]، وهذا سؤال عصيب استخدمه سليمان لقياس معدل ذكاء ملكة سبأ، فالعرش عرشها به أمارات قد ألفتها وعرفتها ولا تستطيع أن تنكرها رغم تغيير بعض العلامات، ولكن كيف يجيء العرش من اليمن إلى بلاد الشام وقد تركته هناك في حماية جنودها وشعبها؟ فإن أجابت نعم هذا هو عرشي كانت الإجابة غير صحيحة. لأن عرشها في اليمن وليس في القدس عند سليمان. وإن قالت لا كان ذكاؤها ضعيفًا أو محدودًا لأنها تفكر استنادًا لأفكار في رأسها دون أن تطرح هذه الأفكار للمناقشة مع هذا الواقع الجديد. فأجابت إجابة تنم عن فطنة وحكمة واسعة لا تثبت ولا تنفي، فقالت: (كَأَنَّهُ هُوَ).
ورغم رجاحة عقلها، إلا أنها كانت تحيا في بيئة فاسدة كافرة مظلمة، وهذا يدل على أن ذوي الألباب حين يأتيهم ضوء الهدى والإيمان فإنهم سرعان ما يهتدون به في حياتهم وسلوكهم، والعقل في حاجة إلى هداية ربه وإرشاده حتى يعقل ويحسن التصرف.
وجاء السياق القرآني الكريم يوضح علة كفر بلقيس وهي نشأتها في بيئة كافرة في عقيدتها وتصورها (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ)[النمل:43]، وأعد سليمان عليه السلام مفاجأة أخرى، حيث أعدَّ قصرًا من البلور أقيمت أرضيته فوق الماء وظهر كأنه لجة، فلما قيل لها ادخلي الصرح حسبت أنها ستخوض تلك اللجة، فكشفت عن ساقيها، فلما تمت المفاجأة كشف لها سليمان عن سرها، قال: (إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ)[النمل:44]، وأمام تلك العجائب الإلهية التي سخرت لخدمة سليمان وقفت الملكة في دهشة ، ورجعت إلى ربها واعترفت بظلمها لنفسها فيما سلف من عبادة غير الله، معلنة إسلامها مع سليمان لا لسليمان، ولكن (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
لقد اهتدى قلبها وعرف عقلها أن الإسلام لله ليس استسلامًا لأحد من خلقه، ولو كان هو سليمان النبي الملك صاحب المعجزات، أما الإسلام فهو إسلام لله رب العالمين، ومصاحبة المؤمنين والداعين إلى طريقه (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[النمل:44].
بهذا التصرف الحكيم أسدلت بلقيس ملكة سبأ الستار على قصة مثيرة بين دولتين، وتبعها شعبها فأسلم مثلها، فأكرم بها من امرأة وملكة كانت تحكم شعبها بأسلوب الشورى، وجنبت شعبها ويلات الحرب، وبسياستها الحكيمة وعقلها الرزين، وكذلك ويلات الهلاك في الآخرة إذا ظلوا على كفرهم ولم يسلموا لله رب العالمين مع نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام.
من " كتاب الزوجات الأعداء و الزوجات الأسوياء
منقول
أضف تعليقا
من لإمارات العربية المتحدة

جزاك الله ألف خير على المجهود الطيب,,و قصة بلقيس من أروع القصص التي قرأتها,,
مشكور .. و بانتظار جديدك,,
تفضل بزيارتي و رؤية جديدي,,
تسلمـ’’
من ليبيا

مشكور أخي الحبيب مصطفى
بارك الله فيك
وجعله في ميزان حسناتك
وقصه بها عبره ,, وعلينا أن ندعو لتوحيد الله مهما كانت شخصيت الشخص ,, ملكاً أو رجلاً عادياً
مشكور ,, أخوك 
من سوريا

السلام عليكم أخي العزيز
** سيدي - مصطفى **
ما شاء على هذا البستان الماتع اليانع..
أنا هنا لست أزيد .. بل استزيد..
اللهم اجزيه الخير و جعله في ميزان العمل...
اللهم أغفر و ارحم من كتب ...
اللهم اغفر و ارحم من قرأ....
اللهم اغفر و ارحم من علق...
بارك الله فيك و حماك الله و رعاك و نولك مناك
بكل احترام و تقدير
سدير
من فلسطين

وفقك الله اخي مصطفى وجزاك كل خير على كل ما تقدم ..
دعائي وأمنياتي لك بالتوفيق
ابو وديع
من فلسطين

جميل مصطفى
احسنت بنقلك
في قصتك العبرة والعظة
من فلسطين

جميل مصطفى
احسنت بنقلك
في قصتك العبرة والعظة
من سوريا

أخي الكريم
أشكرك على هذه المعلومات القيمة و بارك الله فيك و جزاك خيراً قراءة هذه القصص غاية في المتعة أنتظر جديدك
دمت بخير
المخلص باسم
السلام عليكم
بلقيس نموذج للمرأة العاقلة
والملكة التي انقذت شعبها
وقادتهم الى الخير
معلومات اعجبتنتي
وقصة جميلة
يسعدك خيو مصطفى
من مصر

السلام عليكم ورحمة الله.
بارك الله فيك اخى.وهدانا الله واياك.وثبتنا فى زمن الفتن.
واللهم ردنا اليك ردا جميلا.
من السودان

السلام عليكم مصطفى مدونتك فى قمه الروووووووووووووووووووووووعه والجمااااااااااااااااااااااال حفظك الله واتمنى لك التقدم الى الامام دوما حبيبك ايمن 
من السودان

حبيبى ابو جهاد رووووووووووووووووعه والله لا يسعنى ان اقول الا هذا لانى لا يمكننى التعبير فى هذه المدونه الجميله
من فلسطين

شكرا جدا على الموضوع المفيد
وحبيت اضيف ايضا اهمية ان يلجا الانسان الى الله فى كافة الظروف التى تواجهه فكلما تقرب الانسان من الله زاد ايمانه و بالتالى زادت قدرته على تخطى الازمات والمشاكل وتكون نظرته لكافه المصاعب والامور التى تواجهه مختلفه ويكون قادر على تحملها ومواجهتها بشكل افضل
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية



























من فلسطين
بارك الله فيك ويعطيك العافية على هالمجهود
مع تمنياتي بمزيد من التوفيق
شوووووووووق